الشروق داخل معسكرات النازحين في دارفور: ضحايا الحرب في انتظار «حلم السلام» (2)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

ــ نصف مليون نازح ينتظرون إعادة بناء قراهم للنجاة من جحيم المعسكرات.. مدير معسكر «أبو شوك»: السيدات الأكثر تفاؤلا بالسلام
ــ والى شمال دارفور: مصر أكثر دولة تفهم طبيعة الدولة السودانية.. ونتطلع إلى دعمها فى إنجاح الفترة الانتقالية وتأهيل البنية التحتية للإقليم
ــ منسق مفوضية العون الإنسانى: عدد النازحين حوالى 552 ألف شخص ولدينا حلول لعودتهم إلى مناطقهم الأًصلية مع توفير الخدمات على غرار منطقة «الطويلة»

السلام الغائب عن إقليم دارفور لم ينتقل من حالة الحلم إلى أرض الواقع المُعاش، برغم توقيع اتفاق «سلام جوبا» فى الثالث من أكتوبر عام 2020.

أكثر من 527 ألف نازح من قرى دارفور ما زالوا يعانون من الفقر والجوع والعطش والمرض وندرة فرص العمل، منهم 250 ألفا يقيمون منذ ما يقرب من 18 عاما فى معسكرات النزوح بولاية شمال دارفور «الفاشر» إحدى الولايات الخمس للإقليم، ونحو 278 ألفا يعيشون فى تجمعات إيواء تفتقر إلى مقومات الحياة البسيطة.

5 أيام أمضتها «الشروق» ما بين معسكرى «زمزم، وأبوشوك» أكبر معسكرات النازحين بالإقليم، بين أطفال ونساء وعجائز دارفور الذين ينتظرون تنفيذ بنود اتفاق «سلام جوبا» لنستمع إليهم عن قرب ونسمع عنهم من المسئولين.
بعضهم لا يعرفون تفاصيل هذا الاتفاق الذى من شأنه تغيير مصيرهم التعس، والبعض الآخر وصل إليه عبر العُمد والمشايخ بالمعسكرات الذين بشروهم بتوقيع اتفاق بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة، باستثناء حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، وأكدوا لهم أن ذلك الاتفاق سينهى ويلات الحرب التى عانى منها السودان بأسره على مدى عقود متتالية، لاسيما إقليم «دارفور» سيئ الحظ الذى عصفت به حرب أهلية عنيفة ومدمرة على مدار سنوات عدة منذ عام 2003، حرب دفع ثمنها الضحايا من المدنيين العُزل والفقراء والعجائز والأطفال والنساء الذين نجوا من القتل والقصف والدمار بمعجزة، واستمر ذلك حتى قرار وقف إطلاق النار عام 2019 عقب مباحثات حثيثة بين الحكومة والحركات المسلحة السودانية فى أعقاب ثورة ديسمبر، فيما ظل هؤلاء يعيشون على هامش الحياة أو بالأحرى خارج نطاق الحياة فى معسكرات النزوح بين ماضٍ شديد القسوة، وحاضر أشد قسوة، ومستقبل مجهول!.


البعض الآخر من أبناء دارفور فى المعسكرات هم من يعرفون تفاصيل اتفاق السلام، طامحين ومستبشرين به وبلغت الفرحة ذروتها خلال جولات التبشير بالسلام التى قام بها قادة الحركات المسلحة أو أطراف العملية السلمية وأيضا شركاء السلطة فى الوقت الراهن إلى معسكرات النزوح، ثم انتعشت تلك الآمال مجددا عقب تعيين منى أركو مناوى رئيس حركة تحرير السودان، حاكما لإقليم دارفور، مطلع مايو الماضى، حيث يُعد ذلك ضمن استحقاقات اتفاق السلام، وانتعشت أيضا عقب توقيع اتفاق المبادىء مؤخرا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو ورئيس مجلس السيادة الانتقالى الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، وهو الاتفاق الذى أنهى شهورً من التعثر والجمود فى المفاوضات مع الحلو ورفضت التوقيع على اتفاق «سلام جوبا»، لتنطلق من جديد المفاوضات بين الحكومة والحلو فى «جوبا».

الأكثر تعليما والأًصغر سنا من النازحين يدركون أن التوقيع على الاتفاق ليس معناه العودة الفورية إلى قراهم أو عودة حياة أسرهم الطبيعية إلى ما قبل اندلاع الحرب، وأن العودة إلى القرى فى ظل غياب الأمن وغياب مساكن ومدارس ومرافق لشرب مياه صالحة بدلا من تلك التى هدمتها الحرب، هى أشد مرارة من البقاء فى المعسكرات التى تبدو لكثيرين مأواهم الدائم وليس ملجأهم المؤقت!.
يبدو مدير معسكر «أبو شوك» الذى يقيم فيه ما يقرب من 137 ألف نازح، أكثر تفاؤلا من ساكنى المعسكر، قائلا: إن السيدات هن الأكثر تفاؤلا بالسلام، لأنهن أكبر شريحة مجتمعية عانت ولا زالت تعانى من أوجاع وأوضاع الحياة الشاقة، برغم ما توليه الحكومة المركزية والمحلية من اهتمام لتخفيف كاهل المعاناة عنهن».

ويضيف: نحن نتمنى أن ينضم الحلو ونور لركاب السلام، حتى يستطيع هؤلاء المساكين من أهالينا العودة إلى ديارهم، وإلى حرفهم كـ «التجارة، والزراعة» ويعيدوا تعمير مناطقهم التى تضررت فى أعوام الحرب.
أما منسق مفوضية العون الإنسانى بشمال دارفور الدكتور عباس يوسف آدم فيقول إن المعسكرات هى منطقة إقامة مؤقتة وليست دائمة، ولدينا حلول مستدامة مثل عودة النازحين إلى مناطقهم الأًصلية وتقديم خدمات لهم مثلما حدث فى منطقة «الطويلة» وغيرها، إذا كانت لديهم رغبة فى العودة وذلك بالتنسيق مع مفوضية العون الطوعية والمفوضية السامية لشئون اللاجئين، ولدينا فى ذلك الوقت 5 معسكرات، و9 تجمعات للنازحين، وعدد النازحين إجماليا حوالى 552 ألفا.
وبشأن من لا يرغبون فى العودة، فإننا نسعى لتوفير إقامة لهم فى إحدى المناطق ونعمل على توفير خدمات أساسية لهم كالمراكز الصحية والمدراسية وغيرها حتى تكون منطقة استقرار دائم لهم، وهذا يتحقق عبر 3 مراحل العودة الطوعية والدمج وإعادة التطوين التى تعنى أن يختار النازح مكان إقامته مع أقاربه على سبيل المثال فى منطقة أخرى ثم نوفر لهم البيئة المناسبة وننقله إليها.

ويضيف: الأزمة التى صنعها الرئيس السابق البشير عندما قام بطرد المنظمات الإغاثية لتفكيك المعسكرات بالإضافة إلى اعتقاده بأنهم كانوا يعملون على نقل المعلومات عن حرب الإبادة الجماعية التى حدثت فى دارفور وبناءً عليه تم طلبه للمحكمة الجنائية الدولية، وتم طرد 3 مظمات دولية كبرى، أدت إلى حدوث فجوة وتدهور للخدمات التى تقدم للنازحين، وهذا الوضع مستمر حتى الآن مما أدى إلى تدهور شديد فى حال المواطنين بالمعسكرات كما شاهدتى، بالإضافة إلى قرار «برنامج الأغذية العالمى» الذى خفض الدعم للنازحين المستهدفين فى توزيع الغذاء عليهم من 100% إلى 40% ثم 20% وصولا إلى صفر % حتى عام 2021، نتيجة لسياسة الخروج التدريجى من الإغاثة إلى الإنعاش ثم إلى التنمية، وهى مرحلة استراتيجية للأمم المتحدة، وحسب تقريرهم فإن الحكومة تتعافى ومن ثم يتم تقليل المساعدات.

ويشدد عضو الشبكة الطوعية لحماية الطفل مبارك عبدالله، أن أكثر من يحتاج اليوم قبل الغد إلى تنفيذ بنود السلام هم النازحون أنفسهم، ويقول إن بروتوكول «النازحين واللاجئين» هو أهم مكونات اتفاق السلام، وإذا لم يتم تنفيذه بجدية فسوف يُحدث تغييرا جذريا على أرض الواقع، لكن لا يزال الاتفاق حبرا على ورق، معبرا عن مخاوف نتيجة خلفية تاريخية حزينة، قائلا: «أخشى أن يلحق باتفاقات سابقة ومع ذلك فإننى أثق فى نوايا القيادة السياسية بالدولة بمكونها المدنى والعسكرى، على عكس النظام البائد الذى لم تكن لديه إرادة حقيقية فى تحقيق السلام، كما أُثق أيضا فى نوايا قادة الجبهة الثورية».

ويضيف قائلا: «رسالتى للإخوة ألا يتنازلوا عن حقوقهم إلا عندما ينفذ اتفاق السلام على أرض الواقع، لأننا مللنا جحيم المعسكرات ونريد العودة كأى إنسان مُكرم إلى قرانا».


فيما تُبدى أمانى حسبو رئيسة حزب المؤتمر السودانى بولاية شمال دارفور، تفاؤلها إزاء اتفاق السلام وتقول: إن الاتفاق هو أهم إنجاز تم تحقيقه لوقف الحرب وحقن الدماء، وكذلك للاتجاه إلى المصالحة والإعمار والتنمية عبر تكوين المفوضيات التى ستتشكل قريبا، لاسيما أن الموارد التى كانت تنفق على الحرب سيتم توظيفها لخدمة المواطن.
وتضيف: رؤيتنا كحزب سياسى ضمن كتلة قوى الحرية والتغيير هى ضرورة تنفيذ مشروعات تنموية فى مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم وحل مشاكل النازحين المقيمين فى المعسكرات عن طريق تأسيس قرى نموذجية ينتقلون إليها ليعيشوا حياة كريمة، مع التركيز على تحسين حياة المرأة بوصفها الأكثر تضررا من الحرب بعد أن فقدت الأب والأخ أو الزوج وتحملت جميع أعباء الحياة على مدار السنوات الماضية، ويتضمن اتفاق السلام آلية لتمكين المرأة اقتصاديا، عن طريق إيجاد مشروعات متناهية الصغر لها، لتتمكن من كسب العيش ورعاية أسرتها التى تُعانى من فقدان أقل الحقوق فى الصحة والتعليم والخدمات الأخرى، ومن ثم سيساعد ذلك فى عودة النازحين إلى قراهم الأصلية بعد تأهيل المرافق بشكل نموذجى كـ «مياه الشرب والخدمات» ليتمكن العائدون من مباشرة حياتهم الطبيعية مثلما كان الحال قبل الحرب.
ويوضح والى شمال دارفور «الفاشر»، محمد حسن عربى، أن هناك قوة مشتركة لجمع السلاح والحد من أى انفلات أمنى، وقوة مشتركة لحماية الموسم الزراعى، بالإضافة إلى النص فى اتفاق السلام على تشكيل قوة مشتركة من 12 ألف فرد لتعزيز الحالة الأمنية وضمان استمراريتها حتى نهاية المرحلة الانتقالية.
ويشير إلى أن الحكومة تعى جيدا الوضع عقب خروج بعثة «اليوناميد» وتحرص على استقرار الوضع الأمنى، ويضيف أن التطور الأبرز هو الوصول إلى السلام وخلال الفترة الماضية كنا نشهد حرب إبادة جماعية فى الإقليم والولاية أيضا، وهناك حركات كفاح مسلح ناشطة فى دارفور ومعظم تلك الحركات أصبحت شريكة فى اتفاق السلام، وقد عملنا واجتهدنا من أجل وقف نزيف الحرب وبدء إعمار الإقليم ونتطلع نحو الرفاهية والتقدم، وأملنا هو عدم العودة إلى الحرب.


وشدد الوالى على أن رؤيتنا نحو الإقليم موحدة لإعماره ككل، واتفق الولاة الخمسة فى إقليم دافور على العمل مع وضع الإقليم ككل نصب أعينهم وليس كل ولاية فحسب.
أما عن معسكرات النازحين، أوضح الوالى أنها واحدة من أهم النقاط ومحل الاهتمام على مستوى الولاية والمركز ووجدت اهتماما كبيرا فى اتفاق السلام، وفى الوقت الراهن نعانى من تقليص المساعدات الإنسانية لاسيما فى مجال الغذاء، ونحن نقوم بجهودً مكثفة عبر مفوضية العون الإنسانى فى الولاية وعبر المنظمات لمحاولة دعم النازحين فى البقاء على قيد الحياة، ونحاول أيضا تقديم الخدمات فى مجالات الصحة والتعليم، وأعتقد أن التركه التى ورثناها ثقيلة خاصة فى هذين المجالين، والبيئة متردية وغير إنسانية فى المقام الأول.

وتابع: كما بدأنا فى توفير الاحتياجات الأولية كمشروع تأهيل المركز الصحى الألمانى فى معسكر «أبوشوك» بمعاونة شباب «مبادرة نفير شمال دارفور» والتى تُشرف الولاية عليها، بالإضافة إلى توفير مصادر مياه دائمة فى معسكر زمزم، وسنعمل على تأهيل المدارس فى الفترة المقبلة، لكن الأهم وضعية المعسكرات نفسها، هل ستستمر أم سيتم تفكيكها؟، وهى مرتبطة ببرامج العودة الطوعية ومرتبطة أيضا بما يقرر النازحون بأنفسهم.
وأشار إلى أن اتفاق السلام ينص على إعادة تأهيل المعسكرات وضمهم إلى المدن فى الولاية، وإذا أرادوا العودة نحن نسعى إلى عودتهم لقرى تستقبلهم متوافر بها خدمات تعليمية صحية ووسائل كسب العيش والأمن والسلام.
ويختتم الوالى حديثه قائلا إن بلاده تتطلع إلى دعم مصر للفترة الانتقالية واتفاق السلام حيث إنها أكثر دولة تستطيع فهم طبيعة السودان، وقدمت كثيرا من الدعم السياسى والاقتصادى، مضيفا أتوقع دعم الولاية فى مشروعات تأهيل البنية التحتية وخاصة فى الطرق والطاقة الشمسية، وتأهيل الجانب الصحى لأننا فى ولاية تعانى من قلة الكوادر الصحية المدربة، ونرغب فى الاستفادة من الخبرات المصرية فى المجال الطبى والعلاجى.
ويبقى الأمل فى تنفيذ اتفاق السلام عالقا بين اليأس والرجاء فى عقول وقلوب النازحين داخل وطنهم، واللاجئين خارج أراضيه، تاركا بصماته على أرواحهم التى تتشبث به للاستمرار على قيد الحياة.. وتتطلع أن يُصبح الحُلم حقيقة وليس سرابا لا يسمن ولا يغنى من جوع ولا يروى الظمأ!.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة موقع بوابة الشروق ولا يعبر عن وجهة نظر موقع اخبار الخليج وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصدر، ونحن نخلي مسئوليتنا عن محتوى الخبر .

أخبار ذات صلة

0 تعليق